بسم الله الرحمن الرحيم، وصلاة وسلام على نبيه الكريم، وبعد:


قال تعالى : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [آل عمران : 31]
وقال العرباض بن سارية - رضي الله عنه - :
"وعظنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله ؟
قال:"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي،
فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" .
أخرجه الترمذي (كتاب العلم , باب : ماجاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع) (5 / 44) برقم (2676)
وقال : "هذا حديث حسن صحيح"

الخميس، 29 سبتمبر 2011

الاستدلال بتجارب غير المسلمين في السنة النبوية.. لشيخنا أ.د. خالد الدريس - سدده الله -


لا شك أن من أصول عقيدة المسلمين عدم موالاة الكافرين أو التشبه بهم، كما تقرر ذلك في نصوص كثيرة في القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية، ومن ذلك مثلاً قول الله تعالى: ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) آل عمران : 28

وقوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) المائدة: 51
وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين) المائدة :57
وقد ورد في السنة تحريم التشبه بغير المسلمين، كما في قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الثابت عنه: (من تشبه بقوم فهو منهم).(1)
:
والناظر في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسيرته يجده -عليه الصلاة والسلام- قد انتفع ببعض الكفار في بعض الأمور، مما يدل على جواز ذلك وأنه ليس من موالاة الكافرين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن ذكر ما لا يتعلق بالدين، مثل: مسائل الطب والحساب المحض التي يذكرون فيها ذلك، وكتب من أخذ عنهم، مثل: محمد بن زكريا الرازي وابن سينا ونحوهم من الزنادقة الأطباء، ما غايته انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا، فهذا جائز، كما يجوز السكنى في ديارهم، ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض كما عامل النبي يهود خيب،ر وكما استأجر النبي هو وأبو بكر لما خرجا من مكة مهاجرين ابن أريقط رجلاً من بني الديل هادياً خريتاً، والخريت الماهر بالهداية، وائتمناه على انفسهما ودوابهما، ووعداه غار ثور صبح ثالثة، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله مسلمهم وكافرهم، وكان يقبل نصحهم، وكل هذا في الصحيحين، وكان أبو طالب ينصر النبي ويذب عنه مع شركه، وهذا كثير، فإن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمن كما قال تعالى : (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما) ولهذا جاز ائتمان أحدهم على المال وجاز أن يستطب المسلم الكافر إذا كان ثقة نص على ذلك الأئمة كأحمد وغيره إذ ذلك من قبول خبرهم فيما يعلمونه من أمر الدنيا وائتمان لهم على ذلك وهو جائز إذا لم يكن فيه مفسدة راجحة مثل ولايته على المسلمين وعلوه عليهم ونحو ذلك، فأخذ علم الطب من كتبهم مثل الاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابه بل هذا أحسن لأن كتبهم لم يكتبوها لمعين من المسلمين حتى تدخل فيها الخيانة وليس هناك حاجة إلى احد منهم بالخيانة بل هي مجرد انتفاع بآثارهم كالملابس والمساكن والمزارع والسلاح ونحو ذلك". (2)
:
ويقول الإمام ابن القيم : "في استئجار النبي ابن أريقط الدؤلي هاديا في وقت الهجرة، وهو كافر دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق ولا سيما في مثل طريق الهجرة".(3)
:
وقد ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب:"أن الانتفاع بالكفار في بعض الأمور ليس مذموماً، لقصة الخزاعي الذي كان عيناً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-". (4)
:
ومما يلحق بجواز الانتفاع بالكفار الذي قرره العلماء وبالضوابط التي حددوها -كما تقدم-، مشروعية الاستشهاد ببعض أفعالهم الدنيوية وتجاربهم على أمور هي من باب معرفة المصالح والمفاسد، وقد وقفت على نص أحسب أنه يصلح للاستدلال على ذلك، وهو أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استشهد بفعل الفرس والروم في إباحته للغِيلة -بكسر الغين المعجمة أو فتحها، والكسر أشهر-، كما ورد في الحديث الذي رواه الإمام مالك في الموطأ(5)، ومسلم (6)، وأبوداود (7)، والترمذي(8)، والنسائي(9)، وغيرهم، عن عائشة عن جدامة بنت وهب الأسدية أنها سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : (لقد هممت أن أنهى عن الغِيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم).
:
وحتى يتضح وجه الاستدلال بهذا النص، لا بد من بيان ما المقصود بالغيلة وأمور أخرى.
:
ما المقصود بالغيلة؟
قال الإمام مالك: "والغيلة أن يمس الرجل امرأته وهي ترضع".(10)
وقال الأخفش: "الغيلة والغيل سواء، وهو أن تلد المرأة فيغشاها زوجها وهي ترضع فتحمل، فإذا حملت فسد اللبن على الصبي، ويفسد به جسده وتضعف قوته، حتى ربما كان ذلك في عقله".(11)
:
لماذا أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ينهى عنها ؟
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم(12)"قال العلماء سبب همه صلى الله عليه وسلم بالنهى عنها أنه يخاف من ضرر الولد الرضيع قالوا والأطباء يقولون إن ذلك اللبن داء والعرب تكرهه وتتقيه".
:
ما السبب في عدم النهي عنها ؟
قال الطحاوي في شرح معاني الآثار(13) "كان نهيه عن الغيلة لما كان خاف منها على أولاد الحوامل ثم أباحها لما علم أنها لا تضرهم".
قال الأبي : "ووجّه الاجتهاد أنه لما علم برأي أو استفاضة أنه لا يضر فارس والروم قاس العرب عليهم للاشتراك في الحقيقة".
قال الزرقاني في شرح الموطأ (14)"يعني لو كان الجماع حال الرضاع أو الإرضاع حال الحمل مضرا لضر أولاد الروم وفارس لأنهم يصنعون ذلك مع كثرة الأطباء فيهم فلو كان مضرا لمنعوهم منه فحينئذ لا أنهى عنه".
قال السندي: "وأراد النهي عن ذلك لما اشتهر عند العرب أنه يضر بالولد ثم رجع عن ذلك حين تحقق عنده عدم الضرر في بعض الناس كفارس والروم".
:
ما يستنبط من الحديث :
أولاً/ قال النووي في شرحه على صحيح مسلم(15)"وفيه جواز الاجتهاد لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبه قال جمهور أهل الأصول، وقيل: لا يجوز، لتمكنه من الوحي، والصواب الأول ".
قال السندي: "وهذا يقتضي أنه فوض إليه في بعض الأمور فكان ينظر في الجزئيات واندراجها في الضوابط ".
:
ثانياً/ قال ابن عبد البر في التمهيد(16) "وفيه دليل على أن من نهيه عليه السلام ما يكون أدبا ورفقا وإحسانا إلى أمته ليس من باب الديانة ولو نهى عن الغيلة كان ذلك وجه نهيه عنها والله أعلم".
:
ثالثاً/ قال الباجي : "لعل الغيلة إنما تضر في النادر فلذا لم ينه عنها رفقا بالناس للمشقة على من له زوجة واحدة".
:
رابعاً/ ومن فوائد الحديث التي تستنبط منه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استشهد بفعل أناس غير مسلمين، وهم فارس والروم، على أن الغيلة غير ضارة، فدل هذا على مشروعية استدلال العالم أو الفقيه في المسائل التي مبناها على مراعاة المصالح والمفاسد بتجارب الأمم غير المسلمة، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استدل على سبب عدوله عن النهي بأن هذا الفعل غير ضار كما يظهر من حال فارس والروم، ومما يؤكد الحديث السابق ويزيده وضوحاً ما أخرجه مسلم في صحيحه(17): عن عامر بن سعد، أن أسامة بن زيد أخبر والده سعد بن أبي وقاص، أن رجلا جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فقال :"إني أعزل عن امرأتي"، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :(لم تفعل ذلك ؟) فقال الرجل: "أشفق على ولدها أو على أولادها"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( لو كان ذلك ضارا ضر فارس والروم).
:
ولا ريب أن الضرر مفسدة، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- هم أن ينهى عن الغيلة لما يترتب عليها من مفاسد كانت العرب تذكرها، ولكنه عدل عن ذلك، ورجّح مصلحة الإباحة لعدم قوة القرائن الدالة على تحقق الضرر، مستشهداً -عليه الصلاة والسلام- على نفي المفسدة بفعل بعض الأمم الكافرة.



:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند (5114) وأبو داود (4031) وغيرهما.
(2) مجموع الفتاوى ( 4 / 114- 115).
(3) بدائع الفوائد (3/ 725).
(4) ملحق مصنفات الإمام محمد بن عبد الوهاب(ص:7).
(5) الموطأ (1269).
(6) صحيح مسلم (1442).
(7) سنن أبي داود (3882).
(8) جامع الترمذي ( 2077).
(9) سنن النسائي ( 3326).
(10) (2/60).
(11) التمهيد لابن عبد البر( 13/92).
(12) (10/ 16).
(13) شرح معاني الآثار (3/48 ).
(14) ( 3/320 ).
(15) (10/17).
(16) ( 13 /93 ).
(17) ( 1443 ).





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق